قازة البيدر

ان اعيننا لا تعكس الحقيقة بل تخترعها
“نيتشه ”
كانت احاديث اسمارنا ومجالسنا القروية المستمرة تكثر بها اقاصيص الجن ، وحكاياتها ومساكنها ، كنا منذ صغرنا ننصت باهتمام شديد لتلك الحكايات  ، ونتأثر بها كثيرا ، تدخل في روعنا بعنف فنصدقها ونعتقد بصحتها وحقيقة حدوثها ، حتى اصبحت جزء هام  من شخصيتنا  ومن غذاءنا ومكونات ثقافتنا وسوانح افكارنا اليومية ،  لقد تكًون من تلك الثقافة لدينا الف اسطورة  وحكاية عن الجن وحياتها بيننا ، ومعايشتها لنا واختلاطها اليومي بنا، وتسلطها علينا ، لقد أمتلأت عقولنا ومشاعرنا وقلوبنا بقصص لا أول ولا اخر لها عن ذلك العالم الجني الخفي ، الذي نتخيله مع كل حركة غصن وهبة ريح في الظلام ،  وبات تفسيرنا لبعض الاحداث اليومية مرتبط بتلك التخيلات فتزيد من عمقها وترسخها ، حتى اصبحنا اكثر تعلقا بأوهام لم تكن مهيأة يوما لتحيا خارج رؤوسنا ، فربيناها وكبرناها وتركناها تعشعش فينا حدٌ الافراط الذي سيطر علينا ،  فكنا نتجنب السير فوق المقابر اونمر  من جوارها ليلا ومن كانت تفرض عليه بعض الظروف ان يسلك طريقا يقترب من تلك القبور ، كان يسير وخياله مثقل بالأوهام والتهيؤات  ، وتسيطر على فؤاده حتمية لقاء مرعب مع الجن  .
ذات ليلة حالكة الظلام ، وانا اعبر المسراب من جوار البيدر  عائد الى البيت ، ظهر امامي فجأة ضوء قازة خافت في طرف البيدر الذي كان سوره يفصل بيني وبين حاملة تلك القازة ، ركزت نظري وكل حواسي لاتبين  الامر ، واستطلع الخبر ، فجأه .. خرج من عينيها شعاع اشبه بلمعة البرق  شـل تفكيري واطرافي ، و سرعان ما أحكمت قبضتها على تفكيري وسلبتني ارادتي، وغدوت محاصر بمخاوفي وأوهامي  ، كنت احسب اني اسير نحو الضوء ، فاذا بي أركض في دائرة الظلام ، استنزف روحي ، واحرق لحظاتي ، وابدد طاقتي ، ابحث عن طريق يخرجني من هذا الموقف المظلم ، الذي يحاصرني ويأسرني، بل ويكبلني ويمنعني الانطلاق ، وكلما حاولت الهرب اثّاقلت قدماي وكأنما ربطت الى الارض ، وأنستني طريقي ، فلم اعد أذكر معالم مسراب البيت ، ولا اعرف أين منزلي ، ولا كيف اذهب اليه ، فقد تركتني حاملة القازة تائه في بؤس الليل وضياعه ومتاهاته ، لقد فقدت اتجاهي ، وتاهت خطواتي في هذا المسراب الذي باتت تنكره عيناي وتفقده ذاكرتي ، وكأن لحظتي سلخت من يومي وامسي ، فغدوت تائه لا يدري اين تسير به الخطا ، ولا اين به الرحال تحط ، ضائع في منعرجات الظلام الموحش ، لا يدري اين المفر و لا أين المستقر ، تختفي صرخاتي في اعماقي ، فكأني بلا صوت خُلقت ، ينتابني شعور الفزع والوحشة والضياع  ، وتعصف  بي تهيؤات القازة والبيدر ، وعتمة الليل ، ترى .. حينها ماذا كان يقول عقلي في تفسير هذه الأخيلة ..؟ ، هل كان يفسرها بطريقة الناظر الى القمر في ليلة غائمة..؟ ، فيظن ان القمر هو الذي يتحرك نحو الغيوم ، وأن الغيوم قد عشقها القمر فاستهوته مطاردتها ، أم ان  لكل شيء طريقة نراه بها  ،  فنحن لا نرى باعيننا ، بل بمعرفتنا وثقافتنا وتخيلاتنا ،
وغدوت كأنني بين حياة لا اعيشها وموت لا يستقبلني ، بين صوت داخلي يدعوني للهروب ،وأخر يهمس في خاطري
” خلًك رجًال ” ، ان بيني وبين هذا وذاك ، جنية بقازتها سلبت قدراتي ، فلم تصرعني ولم تتركني حرا طليقا ،  اصبح الخوف هو الداء الحقيقي الذي تلبسني ، واصبح الذهاب الى بيتي  في قبضة جنية ، ولم اعد  أعرف ما اذا كنت فارغ العقل في ليلة قازة البيدر..؟؟
ام كنت ذا  عقل راجح  وذوق رفيع سرى بي في غياهب ظلام المسراب ، اعيش مجنحا مع الخيال ومحادثة
” ماردة ” جنية البيدر التي اشتعل ولعها بي ، وتريد ان  تسكن جسدي واعيش معها في الخرائب والأودية المقفرة ” المُولِيًة ”  والأبار العميقة المهجورة ، او ترافقني الى عالمي الانسي و” تُفَرْمِت ” عقلي وعاداتي  وطباعي ، فاعيش بجسد انسان وعقل من عقول الجان ، فاحدث قومي بما وراء  الغياهب ، وما في بطون اللحود وما يفعل سكان الخرائب والأبار المهجورة . وقفت في بهيم تلك الليلة وحيدا عند جدار البيدر ، وقفت مجبرا ومندهشا ، تهزني رجفة عنيفة مفاجئة ما اعتدها مذ عرفت نفسي  ، وقفت أرى مشهدا مختلفا ، يقف امامي وأقف امامه وجها لوجه ، ليس وقوف العاقل الذي لاتلفت انتباهه قازة في طرف الجرين ، لكنه  وقوف مرتبك مشوش  يرى أخيلة  مختلفة في ظلام دامس ، يحاول مشاهدتها كما هي وليس كما  يتمنى ان تكون  ، فالاماني العذاب  لا تعكس طبيعتنا بل تعكس حدود ادراكنا
لليل البيدر المحتشد الظلام  ، كصحراء لا ضوء فيها ولا نجوم ، كل شيء في راسي امتلأ بضجيج لا وجود له ، به طبول تقرع وصراخ وأخيلة تملأني بالخوف والفزع وهلع يملأ كل ذرة دم  في عروقي .
حين شاهدت قازة البيدر توهمت في ذلك ، فربما يكون مجرد ضوء وصل متاخرا ، وربما يكون المشهد كله مجرد خداع حواس ، لا قازة في بيدر ، ولا ضوء أشاهده ، فلا ضوء بلا ظل ،  ولا جسم بلا حواس ، وحواسنا ليست مرايا صافية ، بل قاصرة تعكس اوهاما اعتدنا ان نجتزيئها من الواقع ، تلك القازة لم تكن مجرد ضوء لكنها كانت رسالة وخريطة من الترددات والظلال ، لا تظهر الشيء كما هو ، بل كما يضاء ، ان ركزت في مراقبتك له فستدرك ان رؤيتك له ستتغير بتناغم خفي في كل لحظة ، فالعين لا ترى كل شئ بل ماسمح لها ان تراه.
كنت قد رددت كثيرا في ذلك اليوم اغنية شعبية لم اجد تفسيرا لتكرارها تقول :
ياساري الليل لا تسري
تلقا حنش والا سباعي
والا عفاريت وجني
بهذا الترديد سكنت معاني القصيدة في اعماقي واثارت مشاعري وتسلطت على تفكيري  وشكلت مرجعية لاطياف راودتني في مسراي ، ليست حقيقة ولاخيال ، انها مجرد ظلال ، ظلال. .!! وصور مخادعة تراءت لي في ظلام الجرين ، كيف يكون هذا ..؟  اهي صور مشوشة ام حقائق كأنها ظلال .؟ ام اشباح في الظلام ..؟
وما كانط في كتابه” نقد العقل المحض”  عني ببعيد  :
تخيل ان العقل مثل فانوس يضئ  لكن حامله لا يرى الا مايقع داخل دائرته ويظن بذلك انه يرى كل شيء .
كان الفلاسفة قبله اما يثقون بالعين وحدها او يثقون بالفانوس ” العقل ”  فقط .
كانط كان يقول :
هل نحن نرى الواقع كما هو ..؟
ام كما يمكن لعقولنا ان تشكله ..؟
كان شخصي في طريق مسراه تلك الليلة ، وهو يعبر المسراب الى بيته مرتبكا مشوش الفكر ، الظلام دامس وليس معه مصباح يضيء له الطريق ، خبرته وعصاه ومعرفته بالطريق فقط هي من كانت تقوده الى منزله ، يسير وحيدا ليس معه رفيق درب ، سوى مشاعر مختزنة في اللاشعور جعلته في كثير من لحظات يومه يردد تلك الابيات من القصيدة الشعبية ، حين كان بحسٍ مرهف وانتباه عميق يسلك طريقه المعتاد نحو منزله ، معالمه كانت معروفة وواضحة له ، هنا جدار  حجري طولي بمحاذاة الطريق  ، وهناك “جرين ”  بيدر على حافة الطريق كل يوم يمر من جواره ، الطريق ممتد بين الجدران و” الربعة ” ــ مزرعة صغيرة تتخذ من المنازل جارا لها ــ ، وفي ناحية قصية منه بقايا بيت حجري عتيق متهدم ، يسمونه البيت ” البالي ” ، يعتقدون ان الجن تسكنه لتوالي الايام والليالي عليه ، وهو موحش مقفر لا.يسكنه بشر ، يعرف أدق تفاصيل الطريق ، حتى الوان احجار الجدران واحجامها كان يحفظها  عن ظهر قلب  ، صغيرها وكبيرها ، جدران اسوار البيدر ليست عالية ، وحين يمر بمحاذاتها يستطيع  بوضوح مشاهدة كل كائن داخل هذا الجرين  ، انسان اوحيوان اوبقايا اعلاف  او اي كائن أخر ، هذا المساء شعر بأن الجرين تلبسته حالة ما الفها من قبل ، حركة غريبه غير عاديه واحاديث هامسه داخل الجرين ، ارتبك صاحبنا وبدأ صدره بتسارع يعلو ويهبط ، حاول جاهدا ان يهدئ من خفقان قلبه وضرباته المتلاحقة، وارتعاشة اطرافه ، لكن عقله تشتت وتلبسته العشوائيه وفوضى التفكير ، الح عليه سؤال متوتر وقلق ملئ بالخوف ، وهو الذي كان يظن انه شجاع ومقدام ، مافي الجرين من حدث شيء مختلف  ، كل حيوانات القرية  مغلقة عليها ابواب السفول ، ولا يترك احد من ما يملك من انعام حرا طليقا يتجول ليلا كما يشاء في مساريب القرية  ، لابد ان تكون في حرز لئلا يفقدها ، او تعتدي على املاك احد ، اذن فمن في الجرين ليس من حيوانات القرية ، وليس من انسها ، توصل الى تلك المعلومة بعد ان انصت الى مايدور من حديث في الجرين ، كانت امرأة تحمل في يدها “قازة ” ــ مصباح صغيريشبه الشمعة ــ وعلى صدرها طفله ،  تدور بقازتها في الجرين ، تهدهد طفلتها ، تناغيها ، تتحدث اليها بصوت مختلف  ، ولهجة مختلفه ، وتردد ” قازة  ..!! ، قازه …  !! ” ، طفلتها صامتة لا ترد  ، لا تبكي ، لا تقول شيئا ، وكأنها دمية ،  ولما لاحظـْت حاملة القازة انه ركز واطال النظر اليها ، وأهتم بها ، فجأة انطلقت من عينيها باتجاهه شرارة تشبه البرق  ، كادت أن تذهب ببصره ، وتابعت بترصد وتركيز كل حركة كان يقوم بها .
يا رب سترك ….،!!
يالله اني سد وجهك
ماهذا ..؟
من هذه المرأة التي تتجول في هذا الليل في ساحة البيدر ..؟؟
وماهذا الشعاع الذي انطلق من عينيها  وكاد يخطف بصري ..؟
فجأة امتنعت عن الكلام وتوقفت عند كلمة ” قازه ” ، هدأت ولم تحرك ساكنا ، لكنها ظلت تتفرسه بنظرها  ، الخوف  سري في أوصاله فتملكه والجمه  ، لم يعد لديه القدرة على الكلام ولا الحركة  ، اصبح لا يرى منها الا توقد ضوء عينيها ،  والقازة المشتعله التي لا تضيء ماحولها ، وهو عاجز عن تبين ملامحها  ، توقفت ، ولم تعد تدور كما كانت تفعل قبل قليل ،  تسمر الرجل في مكانه ولم تعد قدماه تقويان على حمله ، يريد الهروب من هذا الموقف العصيب والمفاجئ ، لكن هيهات فقد كان يشعر بعجز غير عادي ، كانت تقف في اقصى الجرين  وبدأت تمشي نحوه ، وتقترب منه رويدا رويدا ، ومع اقترابها عادت  الى ترديد كلمتها الوحيدة ” قازه ..  ، قازة .. ”  وهي تقترب منه ، هو مازال متسمرا في مكانه لا يستطيع حراكا ولا كلاما ولا صراخا ، احس بأن قدراته الحركية والعقلية شُلت وسُلبت منه  .
يا الهي …
انها تقترب رويدا رويدا  ، وهو مسلوب الاراده ، انها تقترب اكثر ، انها انثى وهو ذكر ، انه انسان ، وتبين له الان ان زائرته ليست من بنات جنسه ولا من جنس الحيوان   !!
اه يا بنت الظلام  ..!
من جاء بك  الى هنا .؟
ولماذا جئتي ..؟؟
وماذا تفعلين في هذا البيدر  .. .؟
وماذا تريدين ..؟
اقتربت منه حتى شعر بانفاسها الساخنة تلفح وجهه ، لقد تأكد الأن ان زائرته جنية من بنات الجان ، فارعة الطول ، ممشوقة القوام ، لها شعر غجري منفوش ، كانه عرفجة وحشية ، وعينان  واسعتان كأنهن مغارتين ترمي بشرر من نار وانفاس  تتلهب ، واياد طوال تنتهي باظافر حادة طويلة معقوفة  ، استسلم واصبح بلا اراده ، بينه وبينها جدار الجرين الحجري المخلوب ،  الجدار لا يشكل اي حماية له ،  الليل شديد الظلام ، انسام باردة تهب من جهة ” مذرّا ” الجرين  ، المشهد مخيف ، والقلب تعصف به امواج الرعب  ، وحاملة القازة بطفلتها تقترب منه حد الالتصاق ،  انه في موقف لايُحسَد عليه ، بينه وبين الجنون جدار الجرين ،  حتى عقله توقف عن التفكير ،  وكأنه اسلم نفسه لجنية البيدر ، بدأت ذات القازة بالتحدث اليه فقالت له بصوادت صارم :
عليك بطاعتي  حتى لا أوذيك  .
فقال لها  بصعوبة وهو يرتجف خوفا وهلعا : ابشري
قالت واكدت : ان أطعتني فلن تندم ، والا  فتحمل ما يجيك  .
ليس له خيار ، وموقفه سئ وصعب جدا
وليس لديه فرصة ليختار
قالت :
ان بغيت سِقية شِعْر … سقيتك .
وان بغيت تكون فقيه تداوي الناس … فقًهتك .
وان بغيت تبصر مكامن الماء وتكشفه للناس … علمتك  .
وان بغيت اغزل بك وتغدي بين الناس مامعك عقل …  غزلت بك .
صاح باعلى صوته خائفا مرعوبا  …
تكفين …
الا اخر واحده  تكفين  كل شيء ممكن الا عقلي  جوهرتي وأعز ما املك
قالت بصوت مرعب وقوي :
اذن اسمع كلامي وطاوعني
ردد في ذل ومسكنه : اسمع واطاوع
قالت : تكون لي وحدي والا  ..
قال  : انا انسي وانت جنيه  ..!!
وكيف اكون لك ونحن من جنسين مختلفين
قالت : ساسكن في جسدك ولن اتركك الا اذا مت وغادرت الحياه .
لقد كنت اراقبك منذ زمن بعيد ، اراك ولا تراني ، وعندما نفد صبري قررت مقابلتك هنا في البيدر ، مكان الدّياس  ، مجمع الرزق ومكان الحَبّ والميرة وملعب الجن .
كان يتمنى في قرارة نفسه ان يتمكن من الهروب ، او ان ينشق المسراب وتبتلعه الارض ، او يحصل امر يحول بينه وبين جنية البيدر .
اما حين تكون هي وانت ونفسك معا  وأنت خائف غيرآمن ، قلق ومشوش وغيرمطمئن ، وفي حال من فقدان التوازن ، وكأنك في مهب الريح بل في ملاعب الجن وعالمهم ، حينها لا تكون مع نفسك ولامعها دون ان تهرب منها ، او تقف معها ، وان تصغي لها دون ان يكون لك قدرة على مقاطعتها ، وهي لما تتلبسك بعد ولما تندمج معها ، فلست وحيدا ولست معها ، لم تستمتع بوحدة ولست في معيتها ، انت في عدم معها ، وفي وجود ومصاحبة ، انت في لقاء حميمي مع جوهرك ، وفي عدم مع عقلك ، ووعيك ، تصغي فيه لنداءآت من غيهب الغسق ، وتشاهد فيه بصيص ضوء لا يشبهه الا ضوء في اعماقك ، يقتادك الى حيث هو يريد  ، لا حيث انت تريد ، طبقات من الظلمات بعضها فوق بعض ،  لا هادي فيها ولا دليل ، الا الله …!!
تود ان تصرخ … تهتف ..  فلا تستطيع ، ولا تعلم انت اين انت ،   تائه في مهب الريح والظلماء  .
أيها البيدر
أيها المسراب
لم اعهد فيكما حيرة ولا ضياع كما اعهده الان ، دعوني ارتب ما انا فيه من فوضى ، دعوني اعود الى طبيعتي وماكنت عليه ، لماذا علي ان افقد في لحظة سمعي وبصري وفؤادي  وذاكرتي  .. .؟
فأنا لست جسدا يسير فحسب ، بل انا اشياء من طاقة  وافكار ومشاعر متداخله  تقيم في ذاكرة سكنها الوجع ، ولحظة تذهب وتجيئ ، كانها أحيانا دائرة مظلمة ، تاخذني مجبورا لتقدم اجزائي  في ” مذرًى البيدر ” حيث تنسكب حبوب الحنطة وقت الذراه ، ربما تتشابه الانسكابات بين انسكاب اجزاءك وانسكاب حبوب الحنطة ، اجزاءك وحبوب الحنطة تختزنان سر البقاء وسر الحياة  ، جنية البيدر في الليلة الظلماء في التهام بطئ تسرق امنك الروحي وسلامك العاطفي ، وتجعلك في حالة صراع وتمزق داخلي ، شعر برعشة قوية تسري في سائر جسده ، غاب بعدها عن وعيه  ، وبدأت ذاكرته تعيش يوم غير بعيد ، حين خرج قبيل صلاة العشاء من منزله متجها  الى الشعب البعيد ليكلأ  ركيب ” السدً  ” الممتلئ عن أخره  ” بالخريف ” سيقان الذره  ، اتخذ مكانه في شرف الجناب الفوقاني المطل من علٍ على السّد، بكل ثقة وشجاعة وانتباه ،  بدأ بحراسة ركيب  السد الواقع في شعب بعيد خلف جبل …  ، وحيدا ، وكان يرهف السمع لاي حركة يمكن ان يحدثها ذوو البطون الخاوية ، طال به السهر وداعبت جفونه لحظة نعاس  طاريئة طاغية ، هبت مع نسمة هواء عليلة غربية ، رافقها  تمايل اغصان العرعر الذي تحتشد به جبال المنطقة ولما بدا راسه يتساقط يمنة ويسره ، نصب فاسه على الارض حده الى اسفل واتخذ منه متكأ لراسه ، وغاب في غياهب النوم والظلام والأحلام ،  ليفاجا بأن الفأس تحت راسه يتحرك ، افاق من غفوته ، مقلته تجول في الظلام ، عله يعرف مايحدث ، برزت امامه فجأة ، ذات الشعر الغجري ،، التي دأبت تقلد كل حركاته ، ان حرك يدا ، فعلت مثله ، وان سكن سكنت مثله ، كانها انعكاس لصورته على سطح ماء مستقر ،  كان الى جواره بقايا نار أوقدها لتقيه بعض برد ذلك الفضاء المفتوح ، في طرفها عود مازال مشتعلا ، بسرعة اختطف العود ، وقربه من شعر رأسه ، كانه يريد ان يحرقه ، فعلت مثله ، فاشتعلت النار في شعرها ، وولت هاربة لا تلوي على شيء ، تنفس الصعداء ، لكنه الأن هنا في المسراب ، ولا نار الى جواره ولاضوء معه ، والجنية مازالت تحكم سيطرتها عليه ،  الا انه تذكر … ولاح له بصيص أمل ، حين تذكران لديه بقايا ارادة
تسيطر عليه من الداخل فتمنحه القوة ،  وتدعم سلامه الداخلي الآمن الذي لايمكن لاحد ان يقتحمه الا باذنه
ذلك السلام الداخلي [ الايمان ] بث فيه قوة جعلته يستمر في مواجهة الحياة بكل مصاعبها ، ويكابد من أجل البقاء ، تمر به المواقف الصعبة ، فيواجه حقيقتها بكل قوة وثبات ، وعدم الهروب من الواقع حتى ولو كان قاسيا
مشاهد البندر وقازة الجنية كادت ان توهمه انه يسير على طريق مجهول لا نهاية له ،  وحيدا يسلكه باحثا في حواشيه  ومنعطفاته عن امل فقده ، وعن ذكرى بقاياها اطلال نقشت على  صخور منسية طال عليها الامد  ، يبحث عن ذات ضاعت في مجاهل الزمن تعيش ألم الوحدة والفراق والغربة في طريق خلا من العابرين فتهدمت اطرافه ونبتت الاشواك في ثناياه  وتساقطت احجار جدرانه ومحت عاديات الزمان  كثير من معالمه ، آه ….لقد تأمل… ولمعة في رأسه كثير افكار فوجدت انه

لا احد يمنحه ماليس مزروع في داخله
فقال محدثا نفسه  :
[[ انت مصدر كل شيء  لنفسك ، الاخرين الذي كنت تانس برؤياهم والتحدث اليهم كان لهم امتداد لفيضك الداخلي وما يدور في اعماقك ليس الا اجترار لصور ومواقف وأحداث .]]
كان يعرف مسبقا انها كالنسيم ، تعجز اليد ان تمسك بها ، لكن القلب يعشق احيانا مايعجز عن الاحتفاظ به ، وهو يعلم ابتداءا تلك النتيجة ، لان بها مؤشرات كثيرة تدل على ذلك ، لكنه متهور يحب الاقتحام ، ويعشق قهر الظروف التي لا تقهر ، انه لا ييأس وليس لطموحه المتهور حدود ، حتى ولو كان الذي امامه سراب وخيال جنية …!!
تساءل …
هل ماتم تخيله في البيدر كان اِيماءة عابرة لم أحسن تفسيرها ..؟؟
ام رؤى من أحلام اليقظة تشكلت من حالة نفسية  كان لها مخزون لا شعوري له بعض جذور تائهة بين واقع وخيال…؟ .
مخيال البيدر الليلي لم يكن كسحابة عابرة منخفضة تشبه ” ضريبة ”  احاطت بالبيدر او كتلة من دخان حطب اخضر يوقد في معزبة في طرف البيدر للتمويه او للتدفئة ، يغمرك بهدوء ويغير ملامحك دون ان يمس وجهك  ، ودون أن يبدل فيك شيء لا تشاهده في المرآة ،لحظتها أيقن أنه لا يخاف من الطريق ، بل من نفسه التي تغير معالم الطريق وتزرع فيها اوهاما احيانا وتخفي حقائق أحيانا ، كل الطرق مفتوحة وكلها تؤدي الى نهايات مختلفة  وحكايات مختلفة تشبه مافي نفسه وتشبه احداث بداخله ، القمر الذي يلون الطرقات  ليس دليلا على شيء ، مع انه يمنحها لون الفضة وبريقها وظلالها ، ويكشف شيء من أجزاءها ، وفي خضم الصمت والسكوت ، وهمس تلك الاصوات  وضجيجها الذي كان يتوهم ، لم يكن في البيدر ولا في المساريب المحيطة ، بل كانت في اعماق نفسه ، كان يسمعها باذنيه ويشاهدها بام عينيه ، رغم أنها مجرد خيالات وتهيؤات خالطت مشاعره وعشعشت في حنايا نفسه منذ الصغر ، كانت تنمو وتتغذى من حكاوي وأسمار الاسرة والمجتمع عن الجن، والبير ” الموليه ” ،  وما يسمع عن شعب الجن .
ان ذلك الصوت الهامس في داخله لا يسمعه احد غيره ، وماكان يراه في البيدر هل كان صوته..؟
ام كان صدى صوت الاخرين في رأسه ..؟ .
كم نحن عبيد لأصوات في رؤوسنا ، وكم نحن اسرى لافكار ليست من بنات أفكارنا ، استفاق صاحبنا من لحظات مجنونة ، أوشكت ان تغير مسار حياته ،
وقال محدثا ذاته :
عليك ان تعيش اللحظة” الراهنة ” التي انت فيها الان  ، والانتباه الكامل لكل لحظة تعيشها حتى ولو كانت اظغاث  احلام ،  فتلك اللحظات جزء من حياتنا التي قبعت في اللاشعور  وهي تحاول الانفلات من عالم التواري الى عالم مرءي بين وواضح  ، عالم يرفض التخفي ويرفض لبس الاقنعة ، دون قلق او تشويش ،
ماشاهدته الليلةمن حوار في البيدر  كان شيء من أفكاري التي لم تكن ساكنة وثابتة بل كانت تدور وتتحرك وتتحدث وتستضيء “بقازتها ”
لم يكن شعور طارئ يسري معه هذه الليلة ، بل هو تجسيد لمفاهيم  رافقته في منامه وصحوه ، وتمثلت له الليله في ثوب امرأة تدلل طفلتها وهي تحملها على صدرها بيد وبالاخرى تحمل القازة التي تطلق في الظلماء ضوء لا يضيء .. !! ، وظلال من هواجسه تفاعل مع مشهد ” ظلام وبيدر ، قازة وطفلة وامرأة ، وكلام ليس بالغناء ولا الحوار .
يااِلهي ….؟؟
ماذا يحدث .؟ اين انا .؟
هل هذا حلم أم علم .!
هذا الطريق المعلم
هو ذات الطريق
الذي تمره انت وغيرك
وتشاهده كما يشاهده غيرك
ذات المنعرجات وذات الدراج وذات الجدران وذات الاحجار ، وذات الذرات من التراب ، دهور تعاقبت وليال تتابعت وخطى مشت واحذية قرعت وهو ذات الطريق
الطريق لا يخونك
ولا يعاقبك
ولا يجاملك
تنقض بعض احجاره وتتساقط لتعاد مرة اخرى
تنمو على حوافه بعض الاعشاب والنباتات لتؤكل اوتموت
مسراب ” الجرين ”
هل كان فقط مجرد ممر بين البيت والوادي.؟
ام كان مكان ننقب فيه عن حقيقة مفقوده..؟؟ ، في لحظة لازمن فيها تحركت نحو اللاشيء ، ليحدث الفرق ولتتسع الهوة بين الوعي واللاوعي انه يخشى الوعي المتحرك ، لانه لايستطيع القبض عليه ، اللاشيء يعني العدم ، وقد يعني الفراغ ، وقد يعني الخواء ، والفراغ حالة بين امرين  الجمود والحركة ، وكلاهما لا يقف في فراغ .وبينا هو سابح في تأملاته سمع صاحبنا خلف الصمت صوت قادم من المجهول ، انه كيانك المجهول الذي اجبرك على الابحار في داخل الصمت ، نعم كانت هناك همهمات وهمسات لكنها الى الصمت اقرب ، والى المجهول توجهها اسرع . والى الاختفاء او التبخر في الهواء امر محتم  ….
رباه …!!
قازة تتجول في البيدر تصدر ضوء باهت وشعلتها ضئيلة لا تطفيئها الريح ، انها عبارة عن نقطة ضوء صغيرة  ، لم يشاهدها احد الا صاحبنا ، لم تعكس جدران البيدر شيء من ضوءها ، فقط  عينا صاحبنا هي من عكسها .
اي سر اودع فيك ايها البيدر في هذه الليله ..؟ ، لم يحظ برؤاه الا صاحبنا.
هذه الليله لم يكن لها الشرف ان تكون احدى ليالي شهر الصوم ، شهر رمضان ، والا لكان لضوءها الخافت وقد من ضوء ليلة القدر ، هذا اللقاء الليلي المفاجئ يدخله في حالة من التوتر والتشويش العميق انه ليس مجرد عبء بل سراب في ظلام ليل ،  وكأنه يسير على غير هدى او كأنه مختطف لا يعرف نهايته.
انكره الطريق والبيدر والمسراب ، انكرته معالم الطريق ونسائم الليل واسلموه كلهم الى خيال زائرة مجهولة قدمت اليه من عالم أخر ،  اختارته بعناية وحذر بعد طول ترقب وانتظار .
اغلق عينيه وفتحها عدة مرات ، فركها ومسحها بكم ثوبه ، لم يتغير شيء من المشهد ، كأنه علق في مذبح البيدر ،  لحظة من الزمن ، توقف فيها كل شيء ، الحركة والتفكير والنطق ، حتى السمع والبصر خاناه وتعطلت عنده كل وظائف الحواس ، وكل لغة الكلام  ،  اصبح كأنه رجل ألي يدار بالريموت كونترول من زائرة الظلام  ، العالم الفيلسوف المسلم ” السهر وردي ”  يرى أن كل شيء في الوجود مشتق من النور، وأن الظلام هو مجرد غياب للنور ، صاحبنا لم يكن في مسراه يبحث عن الحقيقة بل كان يسري مع التهيؤات والأخيلة المجنحة ، كان يسير في ظلام لا ضوء فيه الا ” شمعة ” البيدر ونجوم في السماء غافية ، كان يسير ببطء ليحمي نفسه من السقوط فسقط في  شبح بيدر ذو قازة تصارع حالك الظلام ، كان يصارع تهيؤات لا يصدقها العقل ،  لكنها تسري في انحاء الجرين ،  كامر واقع لا يكاد ينكره ، بل يراه حقيقة يقينية ابهرت يقينه وبصره وحواسه  .
يالتلك الحركة التي ضمتها  حواشي الجرين واطرافه وكانها تستاق امامها ثورين اسودين تجران خلفهيما صخرة بنية اللون ” خورم ” تدوسان به سيقان الحنطة   . على حافة الانهيار ، يتهاوى كل شيء داخلي ، كأن الأرض تفقد تماسكها وتميد تحت قدميه ، والهواء يضيق على صدره وكأن الاوكسجين لم يعد يكفي أحد ، هناك من يدفعه نحو الهلاك لم يعد بمقدوره ان يرفع رأسه الى السماء ،  اشياء سوداء تتدلى منها ، لا يعرفها ، ولا يدرك كنهها لا يستطيع توصيفها ، السماء لم تعد زرقاء وليس بها نجوم ، صارت مرآة سوداء تهوي منها اشياء ، الطرق دائرية تتلوى وتتثنى وتتداخل في بعضها وكأنها طريق دائري واحد لابداية ولا نهاية له ، وان العتمة حالكة  خامدة لاتشرق فيها مصابيح  القلب ولا تضيئها شمعة البيدر .
سكون يملأه رعبا  ولحظات اخرى يشقها صوته المبحوح وكأنه حشجرة وتراكمات ازمان  مختلط من النحيب والشجو الممتلئ بالحزن  والكمد .
حاول جاهدا ان يهرب منها وهي تشبه اسى وخوف  ملأ كل ذرات جسمه
مشهد يتسلل الى اوردته دون ان يشعر به احد ، يغمره ببطء دون ان يحدث صوتا ، لم اكن احلق ولم تكن قدماي راسخة في الارض ، مشهد لم تنجبه الف ليلة ولا ليلة ، مشهد انبثق من بين جدران البيدر ، قازته في لحظة لم تكن تعشيني اشعتها ـ كما تخيلت ـ في المبتدأ ، ولم تكد تضيء ما حولها ، شعلتها ليست اشتقاق من ضوء قمر ولا توهج نجمة ، لا رائحة لزيت ولا ” قاز ” ولا غاز تنبعث منها ، انها قازة من عالم اخر ، خرج من البيت الخراب المجاور لبيوتنا ، بيت كانت حكاياه تدور في كل جلسة سمر  ،  حكايات تضخمت واتسعت خيالا وسمعة ورؤى ، ليس للحقيقة فيها موطئ قدم واحدة ، نسجنا منها عشرات المشاهد والمواقف .
أبدا لم تمتد الي يد لتنقذني ، ولم اسمع صوت يناديني سوى صوتها ، صوت يأمر وينهى ويفرض الشروط . كنت في عمق  لا تصله سوى اوهامي وما اكتنزه ” الاشعور ” عندي من حكايات الكهول وما يدور في حِلق الاسمار ، بطولات وهمية ، وقصص خرافية ، وافلام لم تعرضها صالات العرض والشاشات المرعبة ، فقط كانت تدور  في سامر قريتنا .
تتلاشى اضواء قازة البيدر  كما يتلاشى  ضوء فجر رمادي  وارته غمامة سوداء اخفت الافق وأخفت ضوء قازة كنت اضن  ضوؤها يستلقي على حائط الجرين ، اقتربت الجنية منه وكادت ان تغوص بين ثنايا جسده .
فجأة  شق سمع السكون عواء كلاب القرية السائبة  وهي ترفع افواهها نحو السماء ، فيشق عواؤها افاق المكان ، يهتز  المشهد كمستنقع ماءي القي حجرا فيه ، تختفي القازة وينكفئ الضوء ويسري خيالها نحو البيت المهجور . ولبرهة اصبحت ذاكرتي في مهب النسيان وكانها اقتيدت  الى ذلك البيت البالي وادخلت اليه ، ليس من احد ابوابه ، بل من احد جدرانه المصمته ،  الى خرائبه واحجارة المركومة عبر توالي السنين واطراف زمن غابر  ، ابحلق في جنباته وبقايا جدرانه واخشابه ، التي كررتها حكاوي سمار القرية واخيلتهم وطقوس  بعض جنونهم المسماة [ مَرْزا ] وكم في القرية من معه [ مرزا ]  تشتد وتثور وتظهر وقت المناسبات واداء العرضات “فلكلور شعبي ”  فتطلق احدى جنيات البيت البالي ” لزارها ” العنان  وتعصف بصاحبها الانسي وتتلبسة  فيؤدي من الرقصات المجنونه العشوائية مايبهر الحاضرين ويزيدهم تعلقا جنونيا وهياما خرافي [بالمزيور ] وتستعبده حتى تلقيه ارضا منهك القوى فاقد  الحركةمغشيا عليه حتى يبادرونه برشة ماء على وجهه ليفيق من غفوة اجبارية استولت عليه والقته صريعا بينهم ، لتقفز جنية اخرى على انسي  اَخر من افراد القرية فيأتي برقص مختلف من وحي زار جنيته  ممتلى بحركات قافزة ذات نقزات عالية حتى تطيح بها ارضا في وسط عاصفة غبارية مثيرة  تملأ المكان وما  ان ينجلي غبار مراقصته لجنيته حتى يتكشف للحاضرين حاله وهو ممرغ في التراب في حال يرثى له فيتسابقون اليه برشة ماء أخرى على وجهه المعفر بالتراب وقد امتزج عرقه بالتراب والماء في مشهد يرثى له ، لكنه رغم مأساة ما حل به تفسر من قبلهم بعمل عاشق الجنية التي هامت به وهام بها حتى [دغولته ] في متربة العرضة وميدانها ، حتى غدت ملامحه استعارة لوجه بطل جمع بين طقوس الانس والجن واذهب به عقول الجمع المحيط به ، فغدت عيناه نوافذ مفتوحة على محضرة كانه لا يعرف منهم احدا ، يبحث بها عن صاحبة غادرت كما حضرت دون أن يراها احد .
وكأنه خرج اليهم بنسخة اخرى غير التي كان عليها قبل رقصة الزار ، نسخة لا صوت بها ولا لغة ، سوى جسم كان يسمى …. ، يدعونه به فيستجيب لهم ،
انه الان اجوف ، مخلوق فارغ بلا عقل ولا ذاكرة ، روح مشقوقة الى نصفين جني وانسي ،  اسم بلا صاحب ، يبحث عن ذات مختطفة ، عن جسد فقده ، عن شخص اخر ، ليس هذا المسمى [فلان ] ، كان ولم يكن ،  حملوه على اكفهم الى بيته ، ووثقوه الى [ قعادته ] سريره بالحبال واستدعوا له الفقيه [ يقرأ ] عليه ، لقد استولت عليه جنية عاشقة ، ويحتاج الى الفقيه ليخرجها من اصبع رجله الكبير صاغرة مدحورة .

صوتها ليس صداً لما قال ، بل هو تشظٍ لما سمع ، انعكاس لحديث الظلام ،  قالت تخاطبه في  فضاء لا زمان فيه .
سنموت معا
ونعيش معا
ونلعب الزار معا
فانت لي وحدي
وانت مجنوني وانا مجنونتك
والجنون فنون
اقبل الفقيه يحمل مطارق الاركوض
قيدوه بل صلبوه وللفقيه اسلموه
استلمه الفقيه …
وبدأ يذيق جسده المنهك حرارةجلد مطارق الأركوض
تحول جسد المسكين الى [ اطلس ] حوى كل خرائط الكرة الأرضية ، حدود وخطوط حمراء وزرقاء ، وبحار من دماء
المسكين يستغيث .. يصيح … يئن يستجير ولكن لاحياة لمن تنادي
والفقيه يصرخ ويهدد ويتوعد ويزمجر
اخرجي يا ملعونة

واحيانا يتمتم ويجلد ويصرخ
بلا هوادة ولارحمة
مشهد يجمع بين الخرافة والكهانة والتهيؤات وضحيته جسد شاب رومانسي ليس به من مس الجن شيء ، لكنها ثقافة الجهل وفكر الاساطير ، وجنون التفكير ،  شاب اراد ان يكون بطلا فكان ضحية قدم جسده لفقيه ومطارق أركوض .

جميع الحقوق محفوظه الاديب سعيد صالح المرضي © 2020
تطوير وتصميم مسار كلاود